رضوان أستو: الجمعية المغربية للمهندسين الشباب مسار نضال وَفيٍ لتأهيل المشهد الهندسيِ

تأسست الجمعية المغربية للمهندسين الشباب أواخر سنة 2003 من طرف فريق عمل شاب لاحظ تدهور المشهد الهندسي المغربي و غياب ممثل فعلي ونشيط يدافع عن مطالب الخريجين خاصة الجدد منهم. هكذا انطلقت الإرادة لتتبلور سريعا إلى قرار خلق فضاء جمعوي يساهم في النهوض بدور المهندس المغربي في التنمية الوطنية و يغني الساحة بمنبر جديد يعبر عن مواقف و طموحات المهندسين الشباب.

لم تكن الإمكانات المتوفرة في مستوى الطموحات، ولكن فريق العمل نجح في تحقيق الأهم: خلق فضاء صداقة و تآخي بين خريجي مؤسسات تكوين هندسي مختلفة. حيث استطاع أولا الحد من تفاقم ظاهرة العصبية و التنافسية السلبية التي كانت متفشية بين الخرجين وجمعياتهم و التي لم تزد الجسم الهندسي إلا تشتتا و ضعفا. وثانيا،
بلورة منظور جديد وموحد للنهوض بمستوى الهندسة الوطنية وثالثا، الاضطلاع بأدوار ريادية في مختلف المحطات الهندسية الوطنية التي شهدها المغرب طيلة الاثني عشرة سنة الفارطة.

ولم يكن عليهم الانتظار كثيرا حتى يثبتوا رجاحة مضمون رسالتهم، ففي سنة 2005 شكلوا الركيزة الأساسية و دينامو الحراك الهندسي الذي وحد كلمة عشر جمعيات هندسية و كذا الثلاث مكاتب النشيطة آنذاك داخل الاتحاد الوطني للمهندسين المغاربة للتصدي لمشروع المرسوم المحدد لشروط الترقي في الدرجة و الإطار الذي استهدف بشكل مباشر حقوق ومكتسبات مهندسي الوظيفة العمومية. وهو المجهود الذي أعطى أكله ودفع الجميع للتساؤل من جهة، حول قدرة المهندسين على تحقيق مطالبهم حين توحيد صفوفهم و من جهة أخرى، حول مصيرهم في خضم غياب جهاز يدافع عن مطالبهم ومكتسباتهم.

و من هاته المحطة انتقلت الجمعية إلى مترافع حول وجوب تجميع أصوات المهندسين في إطار يدافع عن الهندسة الوطنية و الجسم الهندسي، لا يكون فيه الولاء إلا لخدمة الوطن عبر الدفاع عن القضايا الهندسية المشروعة. و من أجل ذلك، قام المهندسون الشباب بحشد الجهود وطرق أبواب جميع التنظيمات الحية، واستطاعوا توحيدهم مرة أخرى سنة 2007 من أجل خلق نقابة وطنية مستقلة نجحت في إيقاظ من خلدوا في سبات عميق و في وضع القضايا الهندسية في الواجهة الوطنية وفي التصدي ولو نسبيا، لمحاولة إقبار صوت المهندس و حصر دوره في الشق التقني داخل المجتمع المغربي.

تم خلق النقابة الوطنية للمهندسين المغاربة سنة 2007 في ظروف جد صعبة و استصدرت الجمعية بيانا تهنأ فيه المهندسين المغاربة بالمولود الجديد و تشكر فيه أعضاءها على مجهوداتهم في إنجاح هاته المحطة التاريخية التي تكللت بمشاركة ثلاث من أعضاءها داخل المكتب التنفيذي للنقابة المتكون من أحد عشر عضوا.

و من هنا فرض على الجمعية المغربية للمهندسين الشباب لعب دور جديد، ألا و هو التقريب بين رؤيتين أو بالأحرى بين مشروعين: مشروع مهندسين تواقين لغد أفضل و متشبعين بمبادئ النضال خدمة حقة للوطن وللهندسة المغربية وبين مشروع محافظ حملته أعلام لم تختزل جهدا لمحاربة المولود الجديد.

تعالت أصوات المحافظين داعية إلى حل النقابة بدعوى تداخل مهامها مع جمعية الاتحاد الوطني للمهندسين المغاربة و كذلك بدعوى أجنبية العمل النقابي داخل الصف الهندسي. و لإحراج مناضلي النقابة، تجندوا لعقد المؤتمر السادس للاتحاد والذي ناهز عمره آنذاك 37 سنة، وطالبوا كل من يريد الاشتغال داخل هياكله بتقديم استقالته من النقابة ومقاطعة أنشطتها إلى غير ذلك من المضايقات. لم يكن هناك أي مبرر مقنع لحل النقابة ولا لعودة الحراك الهندسي إلى نظام القطب « الوحيد » كما أصرت قيادة الاتحاد على تدوينه داخل العديد من بياناتها وممارساتها.

و كلما احتدام الصراع بين الجبهتين الشقيقتين، كانت الجمعية المغربية للمهندسين الشباب تدخل على الخط، بشكل مباشر أو غير مباشر، فتساهم في خلق توازن المشهد الهندسي و تحرك الراكد و تصفي الأجواء. كان مناضلوها ملتزمون بالقناعة التالية : « كل التنظيمات الهندسية مكتسب مشترك للدفاع عن قضايانا العادلة، الاتحاد و النقابة هما إطاران متكاملان ولا يوجد أي سبب منطقي أو مقبول يعلل للخلاف القائم بينهما. هو صراع بالوكالة لإفشال الحراك الهندسي والخاسر الأكبر هو الوطن. »

ومن هذا المنطلق، قادوا العديد من المباحثات مع الطرفين حتى تم جمع قياداتيهما في الثامن من ماي سنة 2010 على هامش الجمع العام الرابع للجمعية المنعقد تحت شعار « دور المهندس الشاب في بناء مغرب الغد » والاتفاق على تشكيل لجينة حوار غير رسمية لتقريب الرؤى وتجاوز الخلاف. كما قاموا بالضغط وبكل قوة حتى لا تساير النقابة الفتية الاستفزازات المتكررة التي كادت أن تعصف بسياسة اليد المدودة التي نهجتها إزاء الأخ الأكبر « الاتحاد ».

وكخلاصة، فقد حاولت الجمعية المغربية للشباب عبر مناضليها أن تصير وسيطا، رزينا و متبصرا بين الركيزتين الأساسيين للتمثيليات الهندسية الوطنية. وكان لها ذلك حتى انعقاد المؤتمر السابع للاتحاد سنة 2012.
لقد شكل هذا المؤتمر بالنسبة للساحة الهندسية زلزالا قويا رج التنظيمات و طالت ارتداداته المؤتمر الثالث للنقابة المنعقد سنة 2013، و امتدت لغاية المؤتمر الثامن للاتحاد المنعقد خلال شهر ماي الفارط من هاته السنة 2016.
ففي سنة 2012، استحوذ ديموقراطيا مهندسو جماعة العدل و الإحسان على جل كراسي اللجنة الادارية للاتحاد و وجد المهندسون ممثلو الهيئات السياسية خاصة اليسارية منها أنفسهم، ولأول مرة، خارج لجنته الإدارية. وفي سنة 2013، استطاعوا الظفر بنصف مقاعد اللجنة الادارية للنقابة و بالتالي تم تقويد كل جهود فتح نقاش هندسي مسؤول بين ممثلي المهندسين و أجهزة الدولة بخصوص قضايانا العادلة. و لخير دليل على ذلك هو عدم تحقيق أي مكتسب جديد طيلة السنوات الخمس الفارطة.

ومنذ ختام المؤتمر السابع للاتحاد، بدأ منعطف جديد داخل مسار الجمعية المغربية للشباب التي كانت مرة أخرى سباقة لفتح باب النقاش حول معنى « مفهوم الاستقلالية » في ظل ما عدنا نعيشه من تبعات العمل بين متنافرين: مهندسون حاملون لمشروع سياسي معارض لتوجهات الدولة و نظام يرفض التعامل مع أي مكون يوجد بين أعضاءه منتسبون إلى هذا التنظيم و يتعامل بتحفظ سلبي شديد مع كل من لا يستطيع تصنيفهم داخل إحدى خاناته و يصف نفسه ب »المستقل ».

و تعتبر هاته المرحلة مفصلية في مسار النضال الهندسي، فبعد أن تمت ملامسة السقف بذريعة الصراع الداخلي بين قطبي الصف الهندسي (النقابة و الاتحاد) وبزوغ مؤشرات انفراج الوضع، سرعان ما تم تسييس القضية الهندسية والزج بها في غياهب اللعبة السياسية التي تضع القضية الهندسية فيها آخر أولوياتها.

لم يكن لمنظور مناضلي الجمعية مكان داخل التشكيلة الجديدة للاتحاد عكس ما كان عليه الحال بالنقابة، إلا أن هذا الواقع المفروض قد كلفهم غاليا. تقوى انخراط الأعضاء في النقابة وكان على حساب أنشطة الجمعية التي تقلصت بشكل كبير وسريع حتى تجمدت كليا مع انطلاق أشغال التحضير للمؤتمر الوطني الثالث للنقابة.
ومن باب التأريخ، فقد صدر آخر بيانات جمعية المهندسين الشباب في 19 من مارس 2011 حيث بارك مكتبها التنفيذي الحراك الذي عرفه العالم العربي في سبيل العدالة و الديموقراطية، وحيا مضامين الخطاب الملكي ل 9 مارس 2011 ، و أشاد بموقف النقابة و الاتحاد المساند للإصلاح و التغيير ودعاهما لعدم إهدار هاته الفرصة الاستثنائية لفتح صفحة جديدة في تاريخ الهندسة الوطنية.

تساءل العديد من المهندسين الشباب و المتتبعين للساحة الهندسية عن سبب هذا الجمود رغم الحضور البارز لبعض مناضليها في العديد من المنابر، و الحقيقة هي انقسام الفريق إلى مجموعتين لم تحسما حتى الآن في التوجه السليم اتخاذه.
الأولى اقترحت حل الجمعية نظرا لاستيفائها أهداف تأسيسها و أن الأعضاء قد تشربوا مبادئها الأساسية و سيستمر عملهم من داخل النقابة أو غيرها و كل من موقعه.
والثانية ظلت متشبثة بضرورة تحيين هاته الأهداف لكون ما مثلته نضالات المهندسين الشباب أكبر من أن تكون مشروعا خاضعا لدفتر تحملات مُلزمٍ بتاريخ إنهاء الأشغال، و بأنه وَجب علينا الانفتاح على الجيل الجديد للمهندسين الشباب، الذين صاروا يعانون من اختلالات منظومة هندسية أعقد من ذي قبل.

لم أرغب، من خلال ما سبق، في جرد كل أنشطة الجمعية المغربية للمهندسين الشباب لكثرتها وتداخلها مع العديد من الملفات الوطنية و الدولية. حاولت فقط الاقتصار على إلقاء الضوء على اهم محطات مسار نضال مهندسين شباب تقاطع مع مسار النقابة و الاتحاد من أجل تأهيل المشهد الهندسي.
ونظرا لحجم هذين الاخيرين و موقعهما في واجهة الأحداث فقد استأثرا بالجزء الأوفر من متابعة الرأي العام و المهندسات و المهندسين المغاربة. وهو أحد العوامل التي تفسر عدم معرفة شريحة كبيرة من المهندسين بهذا الفاعل المركزي الذي لم تنصف عطاءاته و تم التنكر له عبر التخاذل في التعريف به و في سرد مسار نضاله المشرف خدمة للوطن و القضايا الهندسية.

المهندس رضوان أستو

عضو الجمعية المغربية للمهندسين الشباب

https://maroc-ingenierie.ma/%d8%a7%d9%84%d8%ac%d9%85%d8%b9%d9%8a%d8%a9-%d8%a7%d9%84%d9%85%d8%ba%d8%b1%d8%a8%d9%8a%d8%a9-%d9%84%d9%84%d9%85%d9%87%d9%86%d8%af%d8%b3%d9%8a%d9%86-%d8%a7%d9%84%d8%b4%d8%a8%d8%a7%d8%a8-%d9%85%d8%b3/

Leave A Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *