الأقسام التحضيرية المغربية : المشتل المنسي لمهندسي المغرب و أدمغته

مقال منشور بيومية المساء 06/09/2011 العدد 1541 ص 08

تابع المهتمون بالتكوين المهندسين بارتياح كبير النتائج التي حصل عليها طلبة الأقسام التحضيرية المغاربة لولوج المدارس الفرنسية ذات الصيت العالي في ميدان تكوين المهندسين. حيث أفاد بلاغ لوزارة التربية الوطنية والتعليم العالي وتكوين الأطر والبحث العلمي أن الاختبارات الكتابية لمباريات ولوج المدارس العليا الفرنسية برسم سنة 2011 أسفرت عن تحقيق تلميذات وتلاميذ الأقسام التحضيرية المغربية لنتائج متميزة. و كمثال على ذلك : 9  تلاميذ تفوقوا في مباراة ولوج المدارس العليا للأساتذة ، و25 تلميذا في مباراة ولوج مدرسة بوليتكنيك ، و83 تلميذا في مباراة ولوج مجموعة المدارس المركزية، فيما تفوق 95 تلميذا في مباراة ولوج مجموعة مدارس المعادن والقناطر.
مناسبة الإعلان عن هذه النتائج المتميزة و غيرها من المناسبات التي يبرهن فيها طلبة الأقسام التحضيرية المغربية عن إمكانيات عالية و متميزة تشرف بلدهم، كثيرة و عديدة غير أنها لا يمكن أن تحجب عنا حقائق التخبط و المعاناة التي تعيشها هذه الفئة المتميزة من طلبتنا، سواءا هم  أو المشرفون على تكوينهم.

ففي الوقت الذي يكثر فيه الحديث عن مبادرة التكوين السنوي لعشرة ألاف مهندس و ما يماثله،  و فتح باب الاستثمار الخاص عل مصراعيه في مجال التكوين الهندسي، ظلت الأقسام التحضيرية المغربية الطرف المنسي و الحلقة الأضعف في هذا المسار. فبالرغم من أنها تشكل مفخرة التعليم العالي الهندسي بالمغرب، منذ إحداثها سنة 1986، و ذلك بتوفيرها للطواقم البشرية الضرورية للمدارس العليا و لتكوين مهندسي المستقبل عبر مواكبة المتطلبات الوطنية من الأطر الهندسية اللازمة لمختلف الميادين و الأوراش و المشاريع، إلا أن هذا الميدان يعرف العديد من الإختلالات التي تراكمت عبر السنوات. و بالرغم من تشعب هذه الإختلالات و تعددها إلا أنه يمكن إجمالها في صنفين، صنف يتعلق بظروف التكوين و الإمكانيات المادية المرصودة له، وصنف مرتبط بغياب البوصلة و الإستراتيجية الناظمة لهذه المنظومة التعليمية.

على المستوى المادي، المتجلي في غياب الموارد المادية و المالية و ضعف الميزانية الذي ينعكس على ظروف تكوين الطلبة بشكل مباشر أو غير مباشر، فيمكن رصد ما يلي:

  • النقص الكبير المرتبط بحاجيات و أدوات مختبرات الكيمياء و الفيزياء، خاصة بالمراكز الخاصة، التي باتت تعرف وضعا مقلقا في مستوى الخدمات التي توفرها  بشكل لا يسمح بتطوير الكفاءة التجريبية و العملية للطلبة.
  • الوضعية المزرية للداخليات و عدم توفرها على الشروط اللازمة لتوفير الظروف المناسبة للتكوين. فالإضافة إلى مشكل الإكتضاض الذي تعاني منه مختلف الداخليات، هناك مشكل النظافة و النقص الفادح في خدمات الصيانة، ناهيك عن وضعية المتدهورة للمطاعم والتي كانت موضوعا لأشكال إحتجاجية في العديد من مراكز التكوين.
  • عدم حل الملف المطلبي للأساتذة المبرزين خاصة الشق المتعلق بالجانب المادي، حيث يؤثر ذلك بشكل مباشر على الطلبة ، سواءا تعلق الأمر بغياب حصص التكوين الشفوي كما سنرى لاحقا، أو مسألة تضخم دور الساعات الإضافية لتدارك النقص الناتج عن هذا الغياب، مما يشكل تمييزا وعرقلة حقيقية للطلبة محدودي الدخل.

على مستوى التوجه العام للتكوين، و في غياب إشراف فاعل للوزارة الوصية، وفي غياب تفعيل لجنة دائمة و قارة تضم مختلف المهتمين، يظل التكوين بالأقسام التحضيرية كمركبة بلا قائد و لا بوصلة. ذلك أن هذا التكوين لا يخضع بالضرورة و بشكل ملموس إلى التقييم و النقد و إعادة التوجيه اللازم و فق المعطيات الموضوعية و  الغايات المعرفية. و في هذا الصدد يمكن تسجيل النقاط التالية:

  • فقدان الأقسام التحضيرية لتميزها كوسيلة وحيدة لولوج مدارس المهندسين، وذلك عبر 52 مركز للتكوين بين العمومي و الخاص موزعين على 20 مدينة. خاصة بعد تعدد المسارات المفضية إلى “شهادة في الهندسة” عبر الأقسام التحضيرية المندمجة و غيرها من المسالك. مما يفرض إعادة النظر في دور هذه الأقسام التحضيرية  و أهدافها أو “حتى جدواها”.
  • فقدان التكوين في هذه الأقسام لجانب أساسي و محوي فيه، ويتجلى ذلك في غياب  الإختبارات الشفوية الأسبوعية. فبالرغم من التنصيص عليها في برنامج التكوين (مثلا:0.5 ساعة أسبوعيا في مادة الرياضيات و نفسها في الفيزياء على مدى سنتين في شعبة رياضيات فيزياء)، إلا أن هذه الحصص لم تجرى  منذ سنوات عديدة بسبب مقاطعة الأساتذة، مما يشكل نقصا فادحا و فاضحا في مسار التكوين و التأهيل. و الأنكى من ذلك أن هذه الوضعية غدت مسألة عادية لم تثر قلق الجهات المسؤولة أو تخوفها و لم تدفعها إلى ضرورة إيجاد الحلول المناسبة لها.
  • إفتقاد المباراة الوطنية المشتركة لأهم عنصر فيها و الغاية الأساسية منها، وهو ترتيب الطلبة حسب قدراتهم و إمكانياتهم في المواد العلمية. ذلك أنه في العديد من الحالات أصبحت المواد الأدبية و اللغات هي التي تحدد الفرق بين الطلبة أمام إمتحانات علمية لا تسمح بفرز الجزء الأكبر من المتبارين. و كمثال على ذلك، فاختبار مادة الرياضيات لهذه السنة صيغ، حسب السادة أساتذة المادة و الذين حرروا رسالة في الموضوع، بطريقة لا تسمح بفرز واضح بين الطلبة يمكن من معرفة المستوى الحقيقي لكل طالب، فعدم شمل الإختبار للمسح المقبول  للمقرر يجعل من الصدفة  عاملا محددا في للإجابات و لا يسمع بمعرفة من إشتغل على المقرر كله من ذلك الذي إشتغل على جزء بسيط منه فقط. و فوق هذا ضم الإختبار الأول لمادة الرياضيات 30 في المئة من الأسئلة المرتبطة بالمعلوميات، مما يشكل  مسا واضحا بالمادة الأساسية لصالح مادة أخرى ثانوية في هذه المرحلة من مراحل التكوين.
  • غياب المنهجية في الإمتحانات على غرار النموذج الفرنسي. ذلك أن في المدارس الفرنسية  هناك معايير واضحة في صياغة مواضيع و مسائل الإختبارات حيث تعتمد منهجية تقسم الإختبار إلى نسب محددة تتعلق بفهم القواعد الأساسية و أخرى بفهم الأمثلة و جزء متدرج يختبر إمكانيات الطالب في التحليل و التفكير، مما يسمح بالوصول إلى ترتيب موضوعي و علمي لقدرات الطلبة. كما أن المبارايات الفرنسية تعتمد منهجية تساعد الطلاب على التحضير و تقلص دور الصدفة، حيث جرت العادة مثلا أن يشمل الإختبار الأول في الفيزياء الإليكترمغناطيسية و البصريات و يختص الثاني في الميكانيك و التيرموديناميك. و هي أمور تفتقر إليها المباراة الوطنية علما  بأن المقرر المعني هو من أكثر المقررات التعليمية تعقيدا و يمتد على سنتين كاملتين و ليس سنة واحدة.
  • تبخيس الإمتحان الشفوي و إفراغه من مضمونه بتمديد لائحة المعفيين من الإختبار الشفوي، حيث أن المطالبين باجتيازه يحكم عليهم بتذيل لائحة الترتيب. هذا التمديد غير المفهوم يغطي على محاولة الإلتفاف عن ضعف الإمكانيات لتنظيم إختبار شفوي للأغلبية العظمى وقف المعايير الجاري بها العمل. و كمثال على ذلك في مبارات 2011  و من أصل 3252 مقعد متوفر  بمدارس المهندسين و الأسلاك المماثلة، هناك 1234  معفيون من إجتياز الإختبار الشفوي، أي أن ما يزيد عن 38 في المئة يستفدون من هذا الإمتياز، وهو ما يعني عمليا إفراغ مفهوم “كبار المقبولين” من كل معنى.
  • طريقة الإعلان عن النتائج المتعلقة بالإختبار الكتابي، فلم يعد مبرر مطلقا عدم نشر النقاط المحصل عليها و معدل الطالب و عتبة النجاح، و ذلك حتى يتمكن الطلبة من معرفة نقاط قوتهم و مكامن ضعفهم و تقييم مستواهم. كما أنه على صعيد الإختبار الشفوي، و بالرغم من أن المباراة الوطنية من أكثر المباريات على الصعيد الوطني المعروفة بنزاهتها و إحكام تنظيمها، إلا أن المنهجية المتبعة خلال السنوات الأخيرة تطرح أكتر من سؤال، لعل أبرزها كيفية شغل الأماكن الشاغرة في حالة عدم الإلتحاق بعد الإختيار النهائي للمدارس.

       بناءا على ما سبق، يتضح جليا أن التحديات المطروحة أمام التكوين بالأقسام التحضيرية عديدة و متنوعة، وهي تمتد من ضرورة تحسين ظروف مراكز التكوين، إلى واجب إنصاف الأساتذة المبرزين، وصولا إلى ضرورة تفعيل هيئة دائمة و قارة و منفتحة للإشراف ليس فقط على تنظيم المباراة الوطنية المشتركة، بل تتعداه إلى بلورة رؤية و إستراتيجية حول الأقسام التحضيرية و إستشراف مستقبلها في ظل المتغيرات التي يفرضها الواقع العلمي و المعرفي محليا و دوليا. ولعل من مداخل هذا التقويم، إخراج ملف التكوين من أدراج مكاتب معدودة في إدارة تكوين الأطر المرتبطة بوزارة التربية الوطنية و التعليم العالي و تكوين الأطر و البحث العلمي، إلى نطاق أوسع يشرك بشكل فعال ممثلين عن الأساتذة المبرزين و كذا ممثلين لهيئات المهندسين الوطنية. كما سيكون تنظيم مناظرة وطنية حول التكوين الهندسي مدخلا مناسبا لضمان إستمرارية إشعاع الأقسام التحضيرية و تفعيل دورها كمشتل لأنجب و أقوى الطاقات العلمية و التقنية لبلادنا.

ربيع الخمليشي
فاعل نقابي و جمعوي في الميدان الهندسي
rabie.elkhamlichi@yahoo.fr

Leave A Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *